السعيد شنوقة
40
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وقد سقنا للقرطبي فيما سبق بعض الردود المذكورة في الأوجه التي حمل عليها التفسير . ونحن نعتقد ما رآه أبو حامد الغزالي ( ت 505 ه ) إذ بيّن بطلان القول الذي رأى أن التكلم في القرآن لا بدّ أن يكون معتمدا على ما سمعه . وهو رأي قال به كثير من العلماء « 1 » والدارسين ، ذكر ما قاله ابن عباس في قوله عز وجل : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] « يعني الفهم في القرآن . وقال سبحانه : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء ] سمّى ما أتاهما علما وحكما ، وخصّ ما انفرد به سليمان بالتفطن له باسم الفهم وجعله مقدما على الحكم والعلم » ثم قال : « فهذه الأمور تدل على أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتّسعا غالبا ، وأنّ المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه » « 2 » . وقال بعد أن استدل على أن الاقتصار في تفسير القرآن بالسماع باطل : « فبطل أن يشترط السماع في التأويل ، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحدّ عقله » « 3 » ، ومع هذا لم يوافق العلماء كلهم أن يترخّص كل أحد الموقف ليخوض في التفسير برأيه دون تقيد بأصوله وشروطه وحدوده . والمحصّل في التفسير بالرأي نوعان : مذموم ممنوع ، وممدوح جائز قيّد بقيود وحدّ بحدود . واستفهمنا التأويل الجائز . فأدركنا بأنه استدلال على المعنى أو برهنة واحتجاج على الحكم المقصود بأدلة من خارج النص أو هو ترجيح أحدها بقرائن وذلك لأن ظاهر النص لا يقدم المعنى تقديما قطعيا أو الحكم المراد ، بيد أنه يحتاج
--> ( 1 ) انظر ابن تيمية ( ت 622 ه ) ، أصول التفسير ، تحقيق فريال علوان ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، ط 1 ، 1992 م ، ص ، 74 ومما قال : « فهذه الآثار وما شاكلها من أئمة السلف محمولة على تحرّجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به ، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه " . وانظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص 33 ، قال : " وإنّ من استنبط معناه يحمله على الأصول المحكمة ، المتفق على معناها فهو ممدوح " . وانظر الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج 1 ، ص 16 : قال : " فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد وإنما هو عليه السلام صوّب رأي جماعة من المفسرين فصار ذلك دليلا قاطعا على جواز التفسير من غير سماع من الله ورسوله " . وانظر السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، الباب السابع والسبعون . ( 2 ) إحياء علوم الدين ، ج 1 ، ص 384 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 385 .